ترددات الإذاعة
المنطقة الوسطى95.3 MHZ
المنطقة الساحلية101.8 MHZ
الجنوبية و الشمالية92.3 MHZ
ترددات التلفزيون
Nilesat
H 11334 Vertical

إذاعة شام إف إم

خبر عاجل

المكتبة الظاهرية..  منارة دمشق
المكتبة الظاهرية.. منارة دمشق
 

 

في قلب دمشق القديمة، وبجوار العديد من الأوابد الأثرية والمباني القديمة التي لطالما أعطت أقدم مدينة مسكونة في التاريخ هويتها، مثل جامع بني أمية الكبير وسوق الحميدية وقلعة دمشق وحمام السلطان الظاهر. وفي شارع ضيق معبد بالحجر البازلتي الأسود، الذي لطالما مشت عليه عربات السلاطين والملوك والأمراء وقادة الجيوش، ينتصب مبنى حجري مرسوم بدقة متناهية، توحي بأن يد القدر قد ساهمت في تشييده بخطوط صممت من حجارة سوداء بازلتية، وأخرى صفراء جيرية تعلوها رسومات وكتابات تمجد السلطان على جدرانه.

 

إنها دار الكتب الوطنية الظاهرية، أو كما يطلق عليها أبناء دمشق «المكتبة الظاهرية»، التي تعتبر أقدم مكتبة في بلاد الشام، والتي اشتهرت وذاع صيتها كثيراً للدور الكبير الذي لعبته في تعريب العلوم، ولما تحتويه هذه المكتبة الفريدة من مخطوطات وكتب استفاد منها آلاف الباحثين والعلماء من داخل سوريا وخارجها، والتي ما زالت تلعب دورا كبيرا في تقديم الخدمات العلمية والثقافية لروادها حتى يومنا هذا. وأصبحت تشكل منارة سياحية وأثرية مهمة بأبنيتها المعمارية الجميلة، والتي يؤمها السياح من كل أنحاء العالم ليتمتعوا بروعة معمارها وفخامة البناء واحتوائه على الكثير من عناصر الفن العربي ـ الإسلامي المعماري، المستوحاة بمجملها من ذات المكانة التي يحتلها المسجد الجامع، باعتباره شاهداً على قوة العصر ونفوذه؟

 

تحفة معمارية

 

تعتبر المكتبة الظاهرية من الأبنية التاريخية التي ما زالت تحتفظ بالكثير من النقوش والكتابات على جدرانها وأبوابها، ولعل واجهتي الظاهرية من أجمل ما بنى المماليك، فهما مشيدتان بالأحجار المنحوتة، وفي أعلاهما كوى مستديرة تحيط بها زخارف هندسية بديعة.

 

أما المدخل الرئيسي فهو مبني بأحجار بيضاء وصفراء، وما أن تلج من بوابة المكتبة، حتى تقف للحظات مذهولا من روعة هذا الفن المعماري، وما أن تجول بناظريك في اتجاهين متعاكسين:

 

الأول هو المكتبة الظاهرية، والثاني هو المدرسة العادلية الكبرى، ثم تبتعد بضع خطوات في اتجاه مواز للبنائين، حتى تخالجك رغبة بالتأمل في سحر هذين الصرحين اللذين يقفان وجهاً لوجه، وكأنهما يتحديان العالم بروعة جمالهما، إلا أن واجهة الظاهرية تبقى الأجمل من نظيرتها العادلية، بل وتعتبر أجمل ما بنى المماليك على الإطلاق.

 

ومن ثم تجتاز البوابة إلى رواق ذي أقواس محمولة على عمودين حجريين كبيرين، فتنفتح أمامك باحة خارجية فسيحة ومربعة توحي ببرودة منعشة، محاطة بجدران تنسحب إلى الأعلى عارية من أي زخارف أو لمسات فنية، وكذلك تتدلى منها عرائش العنب، وتتوسطها بحيرة صغيرة، كما هو الحال في أكثر البيوت الدمشقية القديمة.

 

فلقد عني العرب قديماً بهذه الباحة في منازلهم ومساجدهم وخاناتهم، وزودوها بالأشجار والنوافير والرخام وكل ما من شأنه أن يعوض عن ضيق الأزقة وتعرجها وانغلاق المنازل المتلاصقة عليها.

 

والوقوف في باحة الظاهرية يجعلك تفكر بما يكمن خلف الأبواب التي تتوزعها الجدران كافة، وبعض هذه الأبواب ينفتح على الباحة مباشرة وبعضها ينغلق على أدراج متعرجة تصعد إلى الأعلى، لتنبئ عن وجود غرف وقاعات أخرى حديثة البناء.

 

مقر مجمع اللغة العربية

 

تشتمل المكتبة الظاهرية،التي تنسب إلى الظاهر بيبرس، على بنائين، الأول هو المدرسة العادلية الكبرى التي تهتم بدراسة الفقه الشافعي والتي وضع أساسها السلطان نور الدين زنكي سنة 568 هجري، وأكمل بناء المدرسة الملك العادل الأيوبي وابنه الملك المعظم، حيث لا يزال ضريحهما داخل غرفة خاصة في البناء المذكور، والتي ظلت على مدى سبعة قرون ونصف القرن،تدرس اللغة العربية، وقد قسمها الملك العادل إلى قسمين:

 

قسم الفقه وقسم للقراءات والعلوم العربية. وفي عهد نور الدين زنكي، الملقب بالشهيد، صارت مقرا للعلماء والفقهاء، وفي عام 1920 ميلادي تأسس فيها المجمع العلمي العربي، وهو مجمع اللغة العربية اليوم قبل أن تضم للبناء المجاور لها،حيث إن البناء الثاني.

 

وهو المدرسة الظاهرية، كان قد شيد سنة 568 هجري، والذي ينسب إلى الملك الظاهر الذي كان يرغب في بناء مدرسة في هذا المكان مشابهه لظاهرية القاهرة، ولكنه مات مسموماً قبل أن ينفذ رغبته ونفذها عنه ابنه الملك السعيد سنة 676 هجري، وكانت تهتم بتدريس المذهب الحنفي.

 

وفي عام 1294 هجرية أصبحت المدرسة الظاهرية، مدرسة ابتدائية عامة للأطفال، ثم كان القرار العلمي المهم بتحويلها إلى مكتبة عامة في نهاية القرن التاسع عشر، في عهد ولاية مدحت باشا، ثم حمدي باشا، وذلك بفضل نشاط الشيخ طاهر الجزائري وسليم البخاري.

 

ومجموعة من العلماء الدمشقيين الذين رغبوا في أن تحفظ جميع المخطوطات في مكان واحد، لحصر الإشراف عليها خوفا من ضياعها ولزيادة الاستفادة منها، وتم لهذه الغاية تأسيس المكتبة العمومية التي جمعت فيها المخطوطات من عشر مكتبات خاصة، واتخذ من قبر الملك الظاهر، مكاناً لها، لتسمى بعد ذلك باسم المكتبة الظاهرية.

 

مكتبة المكتبات

 

والمكتبات العشر التي تم جمع المخطوطات منها هي: المكتبة العمرية وما ضم إليها من المكتبة الضيائية، مكتبة سليمان باشا، مكتبة الملا عثمان الكردي، مكتبة مراد النقشبندي، مكتبة السميساطية، مكتبة الياغوشية، مكتبة الخياطين، مكتبة الأوقاف، مكتبة بيت الخطابة. ولقد جاء ذكر هذه المكتبات في سجل المكتبة العمومية في دمشق، المطبوع عام 1299ه.

 

72 ألف كتاب

 

وتضم المكتبة ثلاث قاعات، وهي قاعة الأمير مصطفى الشهابي وقاعة الشيخ طاهر الجزائري وقاعة خليل مردم. وتستقبل المكتبة الطلاب من المرحلة الإعدادية حتى الجامعية، أما قاعة مردم فهي خاصة بالباحثين والمؤلفين، حيث توضع تحت تصرفهم كافة المراجع والمخطوطات والكتب القيمة لانجاز أبحاثهم.

 

ويبلغ رواد المكتبة في العام الواحد وسطيا حوالي 45 ألف طالب علم، بينما يبلغ عدد الكتب المعارة في السنة الواحدة حوالي 30 ألف كتاب. ويزورها سنويا سياح عرب وأجانب، يبلغ عددهم وسطيا 5000 سائح.

 

كما بلغ عدد الكتب الموجودة في المكتبة الظاهرية 72 ألف كتاب، وما يقرب من 85 ألف مجلة مقسمة إلى أصول وفروع حسب علاقتها بذلك الأصل. وهذه الأصول عبارة عن ثمانية عشر صنفا، تضم 53 فرعا، جميعها في الخزائن.

 

أما قسم المخطوطات فقد بلغت محتوياته 13 ألف مخطوط قديم ونادر، وتضم المكتبة كذلك قسما خاصا بالصحف والمجلات، وأمهات الكتب والدوريات والمعاجم.

 

خزينة مخطوطات

 

شهدت المكتبة الظاهرية ازدهاراً وتطوراً كبيرين تمثلاً في تزايد أعداد المخطوطات النادرة، والمراجع القيمة والكتب المتنوعة والدوريات العربية، وما هو جدير بالذكر أن المكتبة تحتضن في خزائنها مجموعات من المؤلفات فائقة الأهمية، مثل:

 

كتاب» مسائل الإمام احمد بن خليل» المنسوخ في عام 260 هجري،كتاب « الكليات» لأبي البقاء الكفوي (طبعة عام 1280ه)، «تاريخ الدول الإسلامية في المغرب» لابن خلدون (طبع عام 1297ه)،» لسان العرب» لابن منظور (طبعة عام 1300ه)، «الأسماء والمصنفات» (عام 1313ه).

 

وحرصاً على تلك المؤلفات من التلف من جانب، توفر شروط الحماية،ووجود قسم متخصص بالترميم في مكتبة الأسد الوطنية الحديثة، فقد تم نقل المخطوطات إليها، بالإضافة إلى حوالي خمسة آلاف كتاب قيّم.

 

لم يعرف العرب المدرسة بالمعنى المستقل إلا في العصر الأيوبي، وفي العصر المملوكي ازداد شأن هذه المدارس، فكثر انتشارها في كل المدن والأمصار التي وقعت تحت سيطرتهم، وأوقفوا لها الأوقاف الجزيلة.

 

وفي دمشق لعبت هذه المدارس دوراً بارزاً في إعادة المكانة الثقافية والدينية التي كانت تحتلها عاصمة الأمويين، فاجتذبت عدداً كبيراً من العلماء والأدباء والمشاهير، الذين تركوا بصمات واضحة في هذه المدارس، وأسهموا في تنشيط حركة العلم وتنوير الناس، بعد عهود طويلة من الظلم والصراع.

 

وقد وصل عددها في دمشق إلى أكثر من تسعين مدرسة تعرض معظمها للدمار الكامل، إما بفعل الكوارث الطبيعية، أو بفعل الإهمال والحرق علي يد التتار والمغول، فأعيد بناؤها وترميمها عدة مرات، حتى وصلت إلينا محتفظة بالقليل من معالمها الأصلية مع بعض الإضافات في عصور مختلفة، فرضتها ضرورات التوسع أو التغيير في الوظيفة؟

 

وتعتبر المدرسة الظاهرية أهم هذه المدارس وأكثرها وضوحاً وانطقها تاريخاً، فهي تشي بعراقة الإنسان العربي وأساليب توظيفه لمضامينه الروحية، في إعجاز تحفة معمارية رائعة لا تزال تقوم بوظيفتها إلى يومنا هذا؟

 

لقد مر على قيام المكتبة الظاهرية سبعة قرون ونيف، ولا يزال هذا الصرح الحضاري يؤدي مهمته الثقافية على أكمل وجه، ويلقى العناية اللازمة من حيث التجديد والإصلاح، إضافة لتزويده بالجديد من ما يصدر من المؤلفات والمراجع، وتبقى قناديله مضيئة في ركن عريق في دمشق القديمة، ليذكر الأجيال بماضي الأمة المجيد، وتراثها الخالد على مر السنين.

البيان - خالدة الرفاعي