أسطوانة ينبغي ويجب

 

لا يمل قادتنا وكبار المسؤولين والمتزعمين على مختلف اتجاهاتهم ومواقعهم من تكرار القول ان على المجتمع الدولي ان يفصل كذا وكذا، وعلى الامم المتحدة ان تضغط، وان الدول الكبرى يجب ان تبذل الجهد، وما الى ذلك من اسطوانة ينبغي ويجب التي يطلق عليها بعض قادة الفكر اصطلاح "الينبغيات" للتعبير عن عقم هذه الدعوات والمناشدات ان لم ترافقها قوة ضغط ذاتية تحركها وتفرض على الجميع الاستماع اليها والتجاوب معها، والا ظلت كلاما في الهواء وتكرارا ممجوجا للمواقف الجوفاء. ورغم امكانات امتنا الهائلة وقدراتها الفائقة في التأثير والتغيير واقناع الاخرين بالاستماع الينا، فاننا لا نستخدم هذه الطاقة ولا نفكر في استخدامها او التلويح الى احتمال استخدامها.

وان كنا صادقين مع انفسنا فاننا يجب في المقابل ان نعترف بقدرة اسرائيل وكل مؤيديها وقوى الضغط العاملة لمصلحتها، على التأثير والتغيير في معظم دوائر صنع القرار في العالم. لقد اثبتت اسرائيل فعاليتها السياسية حتى في دعم سياساتها الاحتلالية وقوانينها العنصرية، وان انتقد اعلامي مواقفها يتم فصله من عمله، وان اشار سياسي الى ممارساتها يكاد ينتهي دوره في الحياة السياسية، وهكذا في كل المواقع والازمان.

واليوم تناقش بريطانيا قانون ملاحقة مجرمي الحرب واحتمال اعتقالهم، لكي توفر حماية للعشرات من القياديين والعسكريين الاسرائيليين وتجنب احتمال اعتقالهم، وذلك بعد ان طلبت اسرائيل ذلك وقالت انها ستوقف تعاونها الاستراتيجي مع بريطانيا اذا لم يتم تعديل القانون الذي يجري تعديله فعلا.

اسرائيل تمارس سياسة عنصرية ضد الفلسطينيين ليس بالميدان والعمل فقط ولكن بالقوانين التي تزدحم بها اجندة الكنيست وآخرها قانون الجوار او ما يشبه ذلك حيث يصبح من حق بعض الاحياء او المدن رفض سكن فلسطيني بجوارهم، وان كان القانون لا ينص صراحة على ذلك الا ان المقصود به ومنه واضح تماما، ولا نجد رسميا واحدا او مسؤولا واحدا في العالم ينتقد هذه التصرفات، ولو اقرت دولة عربية او اسلامية قانونا مشابها لقامت قيامة هؤلاء القادة والمسؤولين الصامتين..

من هذا المنطق فاننا نواصل الادانة والتنديد والاستنكار والرفض والتمسك بالقوانين الدولية، بينما تواصل اسرائيل سياستها في الاستيطان والتهويد والتهجير وهدم المنازل والاعتقالات وكل السياسات والممارسات المعروفة والمرفوضة.

وهذه المعادلة المقلوبة مرشحة للاستمرار ما دامت الاحوال كما هي ولن يستمع احد الينا اذا لم نتحدث من منطق قوة وارادة للعمل، ونحن قادرون على ذلك لو اردنا، لكن كل هذه الملايين العربية وكل هذه الثروات ومصادر الطاقة الهائلة التي نملكها وكل هذه المواقع الاستراتيجية تظل نائمة وغير فاعلة في ظل حالة الاسترخاء العربية والرسمية والبطالة والفقر والعجز على المستوى الفردي والشعبي.

 

القدس