التدين المريح

نصوص الدين ورسالته خالدة لا تتغير، وشكل تدين الناس يختلف ويتغير تبعا للعصر والسياق الذي يعيشون فيه، والتغيير هنا ليس بمعنى أنهم كانوا يصلون خمس فرائض وعادوا وقرروا أن يصلوا ثلاثاً، أو أنهم غيروا في أركان الإسلام الخمسة وجعلوها اثنين، إنما في طريقة تعاملهم مع نصوص الدين ونوعية العلماء ورجال الدين الذين استقوا منهم أحكامه وقيمه.
والمؤكد أننا في مصر عرفنا هذا النوع من التحولات حين مثّل «الإصلاح الديني» نقطة انطلاقنا نحو التقدم في بداية القرن التاسع عشر على يد الشيخ رفاعة الطهطاوي ثم محمد عبده، وقبلهما كان عبدالرحمن الكواكبي بكتابه الخالد «طبائع الاستبداد»، وبعدهم ظهر على عبدالرازق بكتابة الجرىء «الإسلام وأصول الحكم»، قبل أن تنتكس مصر وتبتعد عن كثير مما جاء في أعمالهم. والحقيقة أن مصر ظلت زاخرة بجدل عميق بين رجال دين مصلحين وآخرين محافظين، ولكنهم جميعا كانوا علماء، اجتهدوا كلٌ بطريقته، من أجل إيصال صحيح الدين لعموم المسلمين، فكان في تاريخنا علماء مثل: رشيد رضا ومحمود شلتوت وحسن الباقوري وعبدالحليم محمود، ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي ومحمد سليم العوا وآخرين. ويكفى أن ننظر إلى آرائهم وحجم الإنتاج العلمي والفقهي الذي تركوه، حتى نعرف قيمة العالم في أى مجال ودوره فى المجتمع بعيداً عن مساحة الاتفاق والاختلاف مع ما يكتب، فالشيخ يوسف القرضاوى الذى كتب وهو فى الثمانين من عمره مجلدين فى ١٤٢٩ صفحة عن «فقه الجهاد»، وأهداهما لى ولصديقى ضياء رشوان (الذى يخوض معركة انتخابية فى أرمنت بمحافظة قنا وبجهده ودعم أهل دائرته أصبح قاب قوسين أو أدنى من أن يصبح نائبا فى البرلمان) منذ أكثر من عام، وفيه قدم الشيخ الكبير دراسة مقارنة لأحكام وفلسفة الجهاد فى ضوء القرآن والسنة، وقارنت هذا العمل بالقصص المصورة شديدة السذاجة والسطحية التى قدمت فى شهر رمضان الكريم عن فرعون وقصص الأنبياء، لمعرفة الفارق بين رسالتين، إحداهما تكرس السطحية والبلادة، وأخرى تشغل العقل وتكرس قيم البحث والاجتهاد. ورغم أن هؤلاء العلماء ظلوا المصدر الرئيسى لتعلم أغلب الناس قيم دينهم ومبادئه، إلى أن اختلت تلك العلاقة فى السنوات الأخيرة، وظهرت هوجة الدعاة الجدد التى مثلت أكبر عملية تسطيح منظم لعقول الشباب، خاصة الفتيات منهم، حين قدمت رسالة فيها من البلادة والبلاهة ما يكفى لتدمير قيم أمة بأكملها. والمشكلة لم تكن دائما فيما يقوله الدعاة الجدد، إنما فى هذا التخدير الشامل الذى فرضوه على عقول من يسمعهم، فهو كلام مسطح يتطلب وجود متلق مسطح، يتصور بعد أن يستمع إليه أنه عرف دينه وامتلك الحقيقة ولا يحتاج أن يتعلم أى شىء.. لا فى السياسة ولا فى العلم ولا فى العمل، ولا حتى فى القراءة أو مجرد الاهتمام بالشأن العام. والحقيقة أن الذهاب السلس لعمرو خالد لإلقاء محاضرة فى جمعية الوزير عبدالسلام المحجوب بمدينة الإسكندرية يدل على كذب ادعائه بأنه بعيد عن السياسة، والحقيقة أنه بعيد عن نمط معين من السياسة «غير المريحة»، أما السياسة التى وراءها مصلحة أو فائدة خاصة فمرحبا بها. والحقيقة أن عبدالسلام المحجوب واحد من محافظى مصر المحترمين الذين تركوا بصمة حقيقية فى مدينة الإسكندرية، كما أنه يمكن وصفه بأنه رجل الدولة المصرية أكثر منه رجل الحزب الوطنى، وهو رجل إنجازات حقيقية.. ولسوء حظه ترشح على قوائم الحزب الحاكم الذى اتسم أداؤه بالفوضى والعشوائية رغم أنه يضم إصلاحيين، ولكنه فشل فى التحول إلى حزب إصلاحى وقبله إلى حزب حقيقى. ومن هنا لم يكن يحتاج المحافظ «المحبوب» أن يدعو عمرو خالد ليقتسم مع المرشح الإخوانى جمهور المتدينين، خاصة أن الأخير لم يتردد فى المجىء طالما أن الأمر سيساعده لنقل أنشطته التجارية من خارج مصر إلى داخلها. والواقع أن الداعية الشاب أكد ما سبق أن قلناه مراراً وتكرراً إنه ابن الفراغ السياسى والخواء الدينى والفقهى وعدم اتزان منظومة القيم، التى وصفها بدقة الأستاذ فهمى هويدى فى مقاله الأخير «تحرير بعض الذى جرى فى مصر» من انتشار للانتهازية والغيبيات والانحراف والقيم الاستهلاكية، وقدم وصفا للمجتمع المصرى بأنه المجتمع «الأنومى»، الذى يعنى عند علماء الاجتماع الانفلات الذى ينتاب قيم مجتمع، بحيث تصبح عاجزة عن القيام بوظيفتها، ولا يعرف الأفراد أنهم أصبحوا مواطنين بدرجة «مأزوم»، وأن حل مشكلتهم ليس بيدهم. إن هذا المناخ هو الذى انتعشت فيه ظاهرة الدعاة الجدد، فهم أبناء أوفياء للفشل السياسى والإحباط الاجتماعى، وعنصر رئيسى فى تسطيح وعى الكثيرين.. وبما أن رموز مصر هم شعبان عبدالرحيم وكباتن الكرة والفنانات المعتزلات وغير المعتزلات، فإن الدعاة الجدد هم امتداد أمين لكل هؤلاء. لقد أنفق المصريون البسطاء مئات الملايين من الجنيهات على «بيزنس الدعاة الجدد» الذين بثوا ثقافة شديدة السطحية ألهتهم عن الاهتمام بمختلف القضايا العامة، فحدثوا الناس كل يوم عن مبادئ الدين وقيم الإسلام، في حين أن الذى يجري فى الواقع هو عكس ما يقولونه، حيث قل الإنتاج وزاد الفساد والكذب وجرائم القتل، وانتشر التحرش الجنسي، وملأت القمامة شوارع مصر (رغم أن النظافة من الإيمان) وانهار الأداء العام، وصارت مصر هى البلد العربي الوحيد الذي يشهد حالات كثيرة من غطاء رأس (يفتخر كثير من الدعاة الجدد أنه بفضلهم) على زىّ يكاد يكون فاضحاً، حتى صرنا أضحوكة في العالم كله. إن التدين الذى عرفناه حين كنا طلابا فى الجامعة كان محفزا على العمل والسلوك الطيب والاهتمام بالشأن العام، إلى أن تغير الحال وأصبح التدين المريح فى خدمة مرشحى الحزب الوطنى تارة، وكبار رجال الأعمال تارة أخرى، والبلادة وتغييب العقل تارة ثالثة. إن من أدهشه ذهاب عمرو خالد للإسكندرية لم يفهم ظاهرته بشكل صحيح، فهى لم تهيمن على عقول الشباب إلا فى ظل مجتمع اختلت منظومة قيمه بشكل حقيقى، حتى جعلت المتحدث باسم الداعية الشاب يقول عنه بصلف وفجاجة تثير الغثيان: «إن مقامه لا يسمح بكذا وكذا»، هكذا تحدث عن الرجل كأنه رئيس جمهورية أو إمام من أئمة المسلمين.
إننا نعيش بلا أدنى شك عصر التدين المريح الذى تاجر به البعض، وغيّب عقل البعض الآخر، وأراح البعض الثالث بالدعاء أو إرسال رسائل محمول لصالح الواقعين تحت الاحتلال فى فلسطين والعراق، وغاب عنها البيان أو حتى الكلمة.
عمرو الشوبكي - المصري اليوم