الحياة الجديدة - نبض الحياة

لا يضيف المرء جديدا لذاكرة القارئ حين يؤكد على ارتباط وجود منظمات الـ NGO,s مع وجود عصر العولمة مع نهاية عقد الثمانينيات من القون السابق خاصة في العالم الثالث . وحضورها لم يكن بذات المستوى والثقل في البلدان المختلفة . وتباين نشأتها وانتشارها يعود لخصائص الشعوب والبدان، ومدى قبولها لتلك المنظمات . غير أن منظمات المجتمع المدني كانت سابقة على تمظهر العولمة في البلدان الرأسمالية .
الشعب الفسطيني إسوة بشعوب العالم الثالث شهد طفرة بولادة تلك المنظمات . ورغم أن بروز تلك المؤسسات كان مدعوما، وما زال من قبل قوى الغرب المختلفة بما في ذلك مؤسساتها الامنية حتى وإن حملت أسماء وعناوين غير ذات صلة بها، إلا أن تلك المؤسسات تباينت في اهتماماتها وخدماتها، التي قدمتها وتقدمها للشعب أو لغيره . وبعضها تميز بالفعالية الايجابية في مناحي الحياة الاجتماعية والحقوقية والثقافية والاقتصادية وحتى السياسية . وأسهمت بدور المراقب والمدافع عن حقوق الانسان، ولعبت دوراً مهما في فضح جرائم الاحتلال الاسرائيلي في المنتديات الاقليمية والدولية، ونظمت العلاقة بين السلطة والشعب بمختلف قواه السياسية والاجتماعية بحدود ما أمكن، ولعبت دور الرقيب على المؤسسة الرسمية، وتضاعف هذا الدور في ظل الانقسام وغياب دور المؤسسة التشريعية، إضافة إلى تهيئتها للعديد من الكوادر المنتسبة لها للعب أدواراً قيادية في المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية بفضل دعم المؤسسات الام الداعمة لها، كما أوجدت فرص عمل لقطاع الانتلجنسيا من الشرائح والفئات الاجتماعية المختلفة .
لكن ما أُّشير إليه آنفا لا يطال كل منظمات المجتمع المدني، لان بعضها لا مضمون ولا معنى ولا قيمة له . لان الواقفين وراءها إنطلقوا من حسابات شخصية ضيقة جداً . ولم تكن أكثر من اسم ومكتب ومرتب شهري . وبعض مؤسسات الـ NGO,s وجدت لخدمة أهداف القوى الداعمة لها في المجتمع الفسطيني . ولم يكن، ولن تكون مصالح الشعب في الحسبان بغض النظر عن التسمية التي تتخذها لنفسها، وورش العمل اتي التي تقيمها، أو الاستطلاعات التي تجريها أو الدراسات او البيانات التي تصدرها . بل ان التسمية والورش وعناوينها ...الخ وضعت بعناية لخدمة الغايات التي وجدت من اجلها .
كان هدف اساسي من نشوء تلك المؤسسات لعب دور البديل لفصائل العمل الوطني . وبالتالي تهميشها على طريق اضمحلالها لاحقا بفعل الازمة العضوية التي تنخرها جميعها . على طريق تغيير مركبات المجتمع الفسطيني بما يتوافق ومصالح العصر الجديد . لذا استقطبت المؤسسات الغربية عناصر مشهود لها بالكفاءة، ولم تنغمس في مؤسسات منظمة التحرير سابقا بشكل مباشر . وإن كان لها دور فيما مضى (وهي أقلية ) في المنظمة، جاء الهدف من استقطابها تعميق دورها لخدمة الهدف الاعظم للدول والقوى المانحة .
وهناك هدف آخر لتلك المنظمات دون استثناء ( الايجابية منها والسلبية ) هو، اقتطاع جزء من أموال الدعم للشعب لصالحها، وللاسف من قوت الشعب، وعلى حساب الشعب . لأن رواتب الهيئات القيادية للمؤسسات مبالغ فيها، وغير موضوعية، وتفوق أضعاف المرات رواتب النخب القيادية في مؤسسات السلطة والمنظمة على حد سواء إلا من تم تيعينه بعقد خارج نطاق اللوائح، وذلك لإغراء العناصر المستهدفة بالاستقطاب ومعظمهم من اليسار الفلسطيني او خريجي الجامعات الاميركية والاوروبية .
مع ذلك على القيادة السياسية الفلسطينية التعامل مع مؤسسات الـ NGO,s وخاصة الفاعلة منها بشكل إيجابي، وتعزيز دورها الرقابي في مجالات الحياة المختلفة لتعميق التوجهات الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني . والانتباه والتدقيق في دور بعض الؤسسات، التي تلعب دوراً غير إيجابي لحماية الشعب من الآثار والانعكاسات السلبية لمواقفها وأهدافها المتعارضة مع المصالح الوطنية .
وفي السياق يمكن للمرء لفت النظر لبعض الممارسات الخاطئة للقائمين على مؤسسات المجتمع المدني، حيث يقوم اولئك في حال وجدت بينهم وبين بعض المؤسسات الاهلية او الرسمية بشخصنة الخلافات، والهبوط إلى مستويات دنيا في إدارتها . مما يفقدها المصداقية والاهلية في تمثيل مصالح الشعب والسلطة الرسمية او غير الرسمية .
الارتقاء بدور مؤسسات المجتمع المدني يصب في مصلحة الشعب والسلطة الوطنية بالمحصلة النهائية، رغم كل الزوان الموجود فيها او ناتج عنها ( الذي يجب العمل على التخلص منه بالوسائل الديمقراطية وبالحكمة) إذا أحسنت القيادة التعاطي معها، شرط أن لا تستخدمها في تصفية حساباتها مع من تختلف معهم . لان منظمات المجتمع المدني إسوة بالعولمة يمكن العمل مع شعوب الارض قاطبة على تطورها ونفي البعد السلبي منها . لكته يحتاج إلى وقت وجهد وتكاثف طاقات كل القوى المحبة للسلام والعدالة الاجتماعية في أصقاع الارض قاطبة .
الحياة الجديدة - عادل عبد الرحمن