الصراع وسوريا

 

 

ديانا جبور- بلدنا

 

 

هل يمكن أن تكون سورية، على صغر حجمها وثرواتها، مركزَ الكون؟
هل هي ممرٌّ إجباري للأقطاب والقوى، أم أنها حجر عثرة يهدِّد تدفُّق تيار جارف بالانحراف عن مجراه المرسوم ومصبّه المأمول؟
هل هو صراع على سورية أم في سورية؟
تاريخياً، تكاملت فرضية الصراع على سورية، عندما شكَّلت البلد منارة واستثناء وفرادة تضفي قيمة مضافة إلى أيِّ جهة اتّجهت..

وتسحب من مصداقية أيِّ جانب جانبت، فليس عابراً ولا فاقداً الدلالة والأهمية الأخلاقية والمعنوية والوزن النوعي، أن تنحاز سورية الأربعينات إلى معسكر دون آخر، وهي أول بلد عربي يدفع بنائب شيوعي إلى المجلس النيابي، وأول بلد يحتضن كمّاً كبيراً من أحزاب متنافرة ومتناقضة الأيديولوجيات، حتى وُصفت بأنها برج أحزاب، وللتأكُّد من دقة التشبيه، تكفي مقارنة سريعة بين خريطتي الأحزاب في كلٍّ من مصر وسورية إبان الوحدة بينهما..
بالعودة إلى الوحدة، سورية أول دولة تنجز مشروع الوحدة العربية.. أول دولة تخرق المحرَّمات وترتبط بعلاقات وطيدة مع السوفييت.. أول دولة تصادق على دستور شبه علماني.. وأكثر دولة عربية تنثني على تنوُّع إثني وديني وثقافي..
إذاً، إلزامية الممرِّ السوري على صلة وطيدة بالريادة السورية، وبكون هذا الممرّ يعبر محيطاً مجتمعياً آمناً ومتجدِّداً حيوياً في آن معاً، فهل يكون في تحويل الهدوء المطلق، أو حتى النسبي، إلى حقل ألغام، حرفٌ للقوافل عن هذا الممر.
إذا كان التاريخ قد علَّمنا أنَّ لسورية أهمية قصوى، فقد علَّمنا أيضاً أنَّ هذه الأهمية غالباً ما تترافق بقرابين باهظة من الأرض والبشر.
يحقًّ لنا، بل يجب علينا، الخوف والقلق على سورية، والعمل لأجلها، بدلاً من التفرُّج على استنزافها، لربما استطعنا أن نحرف الأقدار عن سيروراتها المرسومة، وهذه علمياً يطلق عليها النبوءات الانتحارية أو القاتلة لنفسها، حيث تؤمِّن النبوءة فسحة لمقاومة المصير المتوقَّع، وبالتالي تقويضه والانقلاب عليه.
الريادة صنو المحورية الكونية، فلاغرو أن تتبلور وقائع نظرية الصراع على سورية فترة الخمسينات؛ الفترة التي شهدت تنوُّعاً سياسياً وتنافساً انتخابياً أفرز في باب النيرب، على سبيل المثال، عَلماً حقوقياً بوزن عبد الوهاب حومد خلال ثلاث دورات تشريعية، فمَن عبر الباب هذا العام من قامات؟..
استعادة كلٍّ من المجتمع والدولة دورهما وطليعيتهما ضمن المحيط، كفيلة بشطب أحرف الجرِّ من الصراع، وإحلال أحرف العطف الندِّية مكانها، ولنتذكَّر دوماً أنَّ بعضهم تجرَّأ على الصراع في سورية عندما أصاب الوهن المفاصلَ الرسمية والأهلية.