القدس - اللوبي اليهودي الاوروبي

في الثالث من أيار 2010، أعلن عن ولادة تجمع يهودي جديد يضم 3000 مفكر وعالم يهودي أوروبي يدعى "جي كول" يوروبيان جويش كول فور ريزن (النداء اليهودي الاوروبي للتعقل). وقد تم الاعلان عنه في مؤتمر عقد في مقر البرلمان الأوروبي في بروكسل، الأمر الذي ربما يكشف عن "تأييد رسمي" أوروبي لهذه الخطوة، باعتباره لوبيا أوروبيا يعزز الاتجاه الذي بدأه لوبي "جي ستريت" الأمريكي، الذي أنشئ لمواجهة تنظيمات اليمين اليهودية الموالية للحكومات الإسرائيلية اليمينية مثل اللجنة الأمريكية الاسرائيلية للشؤون العامة "آيباك" في الولايات المتحدة الأمريكية و"كريف" المجلس الذي يمثل المؤسسات اليهودية في فرنسا. هذا وقد تم التوقيع في هذا المؤتمر على وثيقة أسموها "نداء العقل" لمخاطبة العقل الصهيوني المتزمت، كما يقولون.
وجاء في الوثيقة أن "إسرائيل تتعرض لتهديدات وجودية" وأن "مستقبل إسرائيل منوط بتحقيق سلام مع الفلسطينيين على أساس دولتين لشعبين" وعن خطر سياسة حكومة بنيامين نتنياهو على "دولة إسرائيل"، معلنين أن "الدعم التلقائي لسياسة حكومة إسرائيل خطير ولا يخدم المصالح الحقيقية لإسرائيل". وعن الهدف قالوا: "هدفنا هو خلق حركة أوروبية تنقل صوت المنطق إلى قلوب الجميع، والحركة غير حزبية، وهدفها ضمان وجود إسرائيل. وهذا لن يحصل إلا بإقامة دولة فلسطينية سيادية وقابلة للحياة"، منتقدين بشدة سياسة التوسع الاستعماري/ "الاستيطاني" في الضفة الغربية والقدس المحتلة باعتباره "خطأ سياسي واخلاقي".
ويتلخص نداء "الوثيقة" بأربع نقاط تتوجه إلى عقول الجاليات اليهودية في الغرب وعبرها إلى الحكومات الأوروبية. وهذه النقاط هي: أولا، مستقبل إسرائيل "يحتّم بالضرورة إنشاء سلام مع الشعب الفلسطيني"، حسب مبدأ "دولتين لشعبين"، في أسرع وقت، قبل أن تدهم إسرائيل "خيارات كارثية" فتصبح دولة تضم "أقلية يهودية" أو تتحول إلى "نظام معيب لدولة إسرائيل يحوّلها إلى حلبة حروب أهلية". ثانيا: على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة "الضغط على الطرفين ومساعدتهما للوصول إلى حل سريع"، ولأوروبا دورها الخاص بسبب تاريخها في المنطقة. ثالثا، مع الاعتراف بأن "القرار النهائي هو في يد (شعب) إسرائيل الحر"، إلا أن قوة تضامن الجاليات اليهودية في العالم تفرض عليها أن يكون القرار صائباً، إذ إن "الانحياز الدائم لقرارات الحكومات الإسرائيلية هو خطر"، لأنه يذهب في اتجاه معاكس لمصلحة إسرائيل العليا.
أخيرا، أرادوا إطلاق حركة "تسمع صوت العقل للجميع" وتكون فوق الانقسامات، و"تعمل على خلاص إسرائيل كدولة يهودية ديموقراطية، وهو ما لا يمكن تحقيقه من دون وجود دولة فلسطينية".
تضم هذه المنظمة مفكرين وسياسيين ورجال قانون وصحافيين وأكاديميين أوروبيين من أصل يهودي هم من أبرز المدافعين عن إسرائيل، لكنهم أعلنوا في مؤتمرهم أنهم "يتحركون من دافع قلق عميق على سلامة دولة إسرائيل"، ويعتقدون أن الطريق الوحيد لضمان وجودها كدولة يهودية ديموقراطية هو العمل الفوري على إرساء دولتين لشعبين. ويقول رئيس الفرع الفرنسي لحركة السلام الان (دافيد شملا):" مطالبنا تأتي فقط للإسرائيليين، والذين نتوجه إليهم من دافع قلقنا الشديد. فحين يضع زميلك نفسه في خطر عليك أن تحذره، وهذا ما نفعله نحن". أما المؤرخ البروفيسور (زئيف شترينل) الذي نجا من محاولة اغتيال في 2009 نفذها يهودي يميني في إسرائيل فيوضح: "البشرى التي جاءت بها (جي ستريت) ليهود أمريكا هي أن تأييد إسرائيل ليس شرطا أن يكون تأييدا لسياسات جميع الحكومات الإسرائيلية. ينبغي ممارسة ضغوط على حكومة إسرائيل من ثلاثة اتجاهات: الإدارة الأمريكية، الحكومات الأوروبية، والجاليات اليهودية". من جهته، قال النائب الاوربي (كوهين برنديت): "إن ما يجمع هذه الشخصيات في الأساس هو القلق على سلامة إسرائيل وحمايتها من نفسها. السياسة الإسرائيلية تثير موجة عداء لإسرائيل ولليهود في اوروبا والعالم بشكل يذكر بحقب سوداء في التاريخ اليهودي".
لقد أثار المؤتمر التاريخي هذا تموجات في أوساط اليمين الإسرائيلي في الداخل والخارج. ففي أوروبا، هاجم مئات الشخصيات اليمينية اليهودية (جي كول) وقالوا أنها خطيرة وتضع نفسها "سلاحا يهوديا في أيدي أعداء إسرائيل"، خاصة وأن "جي ستريت" الأمريكية حضرت المؤتمر ووزعت نتائج استطلاع رأي أجرته يومئذ يؤكد أن الغالبية الساحقة من يهود العالم يؤيدون النشاط الضاغط لليهود على إسرائيل حتى تجنح إلى السلام. وبين الاستطلاع أن شعبية الرئيس (باراك أوباما) بين يهود أمريكا تزيد 15% عن شعبية (نتنياهو) (59% مقابل 44%)، وأن 55% يؤيدون الانتقادات التي تصرح بها الإدارة الأمريكية ضد حكومة إسرائيل، و79% يؤيدون ممارسة ضغط على الحكومة الإسرائيلية و83% يؤيدون دورا فاعلا للولايات المتحدة في عملية السلام الشرق أوسطية. كذلك أيدت صحيفة هآرتس المؤتمر ومبادرته. كما هنأ الكاتب والنائب اليساري السابق (يوسي ساريد) "الموقعين على شهادة الحب هذه لإسرائيل"، مشيرا الى ان "افضل اصدقاء إسرائيل ليسوا بالضرورة الذين يرفضون انتقاد سياستها".
من جانبه، يرى الخبير السياسي (ايمانويل سيفان) ان "جي كول تعكس ضيق صدر حقيقي للذين يقفون عامة الى جانب إسرائيل ولم يعد بامكانهم كبت انتقاداتهم. فهذا التحرك هو بداية شرخ مثير للقلق بين يهود الشتات وإسرائيل".
صحيح أن تأثير اللوبي الجديد لم يرق بعد إلى المستوى المطلوب، لكنه دخل حلبة المواجهة وسجل نقاطا هامة. ويبقى حزننا لعدم تبلور "لوبي عربي"، سواء في واشنطن أو أوروبا، يدعم الموقف العربي ويكون فاعلا في محاولة تغيير السياسة الغربية بشأن الصراع في الشرق الأوسط، خاصة وأن (جي كول) ومن قبلها (جي ستريت) نجحتا في التحرك بشجاعة ضد السياسة الاسرائيلية، في حين يبقى "اللوبي العربي" مجرد فكرة بل حلم، لم يتحقق رغم المطالبة به على مر السنين!!! وهل يستولد "اللوبي اليهودي" (بشقيه: الملتحم بإسرائيل أو الناقد لها) حركة "لوبي عربي" في أي مكان في الغرب؟!!!
القدس - اسعد عبد الرحمن - 31 - 8 - 2010