المصري اليوم- شكرا للص زهرة الخشخاش

الفقيرُ، الذى لا يجد ما يكفيه من مال، يجب عليه ألا يتحمَّم، أو ينام، أو يمشّط شعره، أو ينظر إلى السماء يناجى القمر، أو يتأمل سرّ الكون. إن صادفَ فى طريقه وردةً دهسها، وإن أشرقَتْ فى وجهه بسمةُ طفلٍ، تجهّم. الفقير عليه أن يمضى نهاره وليله، يجنّد كل طاقاته الحيوية والذهنية والروحية، للبحث عن المال هل ترون فيما سبق عجبًا؟
وثبتْ إلى ذهنى تلك الأفكار «العبثية»، وأنا أطالع تعليقات بعض القراء على كارثة ضياع لوحة فان جوخ «زهرة الخُشخاش». بعضهم لم يكن يعرف أنها كلُّ ما لدينا من تراث «جوخ»، رغم أن المعلومة وردت فى قصة «المتحف» من سلسلة «المغامرون الخمسة» لمحمود سالم، فى سبعينيات القرن الماضى. وبعضهم استهان بضياعها: «وإيه يعنى حتة لوحة، المهم رغيف العيش»! كأن الفنَّ ضدُّ الخبز، والجمالَ ضدُّ الحياة! وهؤلاء، بالقياس، ربما لا يحزنون لو (بعد الشر) نُهب المتحفُ المصرى، أو تصدّع الهرم!
ضياعُ اللوحة أحزننى عميقًا، ولكن تلك التعليقات أحزنتنى، وأفزعتنى! استهانتنا بقيمة الفن تغلق كوّةَ أى أمل فى غد أجمل. قبل ثمانين عامًا، سأل قارئٌ الأديبَ عباس محمود العقاد: «أيهما أهمُّ، الرغيفُ، أم اللوحة التشكيلية؟» فأجاب العقاد بمقال مطوّل عنوانه: «ضرورية جدًّا»، بمجلة الرسالة عام 1937، تكلم فيه عن ضرورة الفن، التى تفوق ضرورة الرغيف، فالرغيفُ يقيم أوَدَ الإنسان الأمعائىّ، فيبقيه حيًّا ضرورة فسيولوجية يجتمع عليها الإنسانُ والحيوان، بينما الفنون تقيم أودَه الروحىَّ، فتجعل منه إنسانًا له حقوق، فالوعى بالجمال يحمى الإنسانَ من التواطؤ مع القبح، وبالتالى يمنعه من الانبطاح تحت وطأة نظام فاشيّ أو حاكم ظالم.
وبظنى أن دول العالم الأول لم تصل إلى أنظمتها الديمقراطية إلا لأن أرواح مواطنيها تشبّعت بقيم الفنون فعرفوا حقوقهم وانتزعوها، حتى صارت منهجًا ودستورًا وقانونًا. الموسيقى أنقذت ألمانيا، والعمارة والتشكيل والأوبرا ارتفعت بفرنسا وإيطاليا، إلخ.
كالأوانى المستطرقة: إن عَلَتْ قيمةُ الفنون، عَلَت قيمةُ الإنسان لدى نفسه، ولدى حاكمه. الحكّامُ لا يظلمون شعوبًا تعرف حقوقها والفنُّ يعلّم الناسَ الجمالَ، وأولُ درس فى الجمال، التمسّكُ بالحق.
متى يعرف الناس فى بلادى أن التشكيل والموسيقى والأدب، ليست رفاهية؟! إلى متى يظل الوعى السائد أن الفنون أمرٌ نخبوىّ، يخصُّ منتجيها المثقفين والفنانين؟ بينما الهدف الأساس للفنون هو العامة. كيف لم تنجح وزارة الثقافة منذ نشأتها فى ترسيخ هذا الفكر لدى الناس؟
يقول أفلاطون: «علّموا أولادَكم الفنَّ، ثم أغلقوا السجون». ذاك أن مَن نشأت عيناه على اللوحات، وأُذناه على الموسيقى، ودماغُه على الكتاب، مستحيلٌ أن يسرق أو يقتل، أو يرتكب خِسَّةً مما يأتيها أولئك الذين حرموا أنفسَهم مما سبق.
وفى الأخير يجب أن أشكر لصَّ اللوحة(!)، لأنه جعل الغافلين ينتبهون أن كنزًا اسمه «زهرة الخشخاش» (كان) لديهم، وأن أُحيّى باحترام وعىَ المهندس نجيب ساويرس، الذى رصد مليون جنيه لصالح استرجاع اللوحة. هو الذى سبق ومنحنا مليونًا ونصف المليون لترميم مقرّ اتحاد الكتّاب بالقلعة فى هدوءٍ ودون جلبة. هكذا يعمل شرفاءُ هذا البلد.
المصري اليوم - فاطمة ناعوت - 30 - 8 - 2010