جامعة دمشق وقبول حملة الشهادات المهنية وخريجي المعاهد المتوسطة

 

تحتاج الإدارة الحكيمة لمؤسسات التعليم العالي إلى منظومة متكاملة تدعم عملية اتخاذ القرار فيها وخاصة فيما يتعلق بالتطوير العلمي والمؤسساتي، كذلك تواجه منظومة التعليم العالي حالياً تحديات كبيرة على مستوى التخطيط الإستراتيجي ورسم سياسات جديدة وتقييم السياسات الحالية. فهناك حاجة ملحة، على سبيل المثال، لتطوير سياسة القبول الجامعي بحيث تتوافق بشكل أفضل مع خطط التنمية وحاجات سوق العمل، وهناك حاجة ملحة لوضع تصور جديد للتعليم المفتوح في الجامعات والفئة المستهدفة منه، وهناك ضرورة لمعالجة مسألة العزوف عن الاختصاص العلمي في الدراسة الثانوية والتوجّه نحو الاختصاص الأدبي وما لذلك من تأثير كبير على خطط التنمية في القطر. ولا بد لنجاح عملية تقويم السياسات الحالية ورسم سياسات جديدة ووضع الخطط المرتبطة بها من أن تكون مبنية على بحوث ميدانية مسندة بالبيانات، ومعلومات دقيقة تغطي كل الأوجه المتعلقة بالسياسة المرسومة والخطط الموضوعة والفئات المستهدفة.

وغالباً ما تتولى مراكز بحوث تخصصية في الجامعات القيام بمثل هذه البحوث لما يتوافر لدى الجامعات من خبرات أكاديمية رفيعة المستوى في طيف واسع من الاختصاصات العلمية والتربوية والاجتماعية.

وقال وائل معلا " رئيس جامعة دمشق " في جريدة الوطن السورية أن جامعة دمشق قامت مؤخراً بدراسة تحليلية حول أحد أوجه سياسة القبول الجامعي المتبعة حالياً والتي تسمح بقبول عدد معين من حملة الشهادات الثانوية الفنية أو المهنية في السنة الأولى في الكليات من الاختصاص نفسه، ومن خريجي المعاهد المتوسطة التابعة للمجلس الأعلى للمعاهد في السنة الثانية في الكليات من الاختصاص نفسه. لكن المعلومات الواردة من بعض كليات الجامعة تشير إلى تعثر العديد من الطلاب المقبولين وفق هذه الآلية، وبقائهم في الجامعة لزمن طويل أو استنفاد العديد منهم لفرص التسجيل المتاحة، الأمر الذي يؤدي إلى فصلهم من الجامعة دون أن يستفيدوا من هذه الفرصة التي أتاحها لهم قانون تنظيم الجامعات.

وقد استندت الدراسة التي أعدها قسم الدراسات والبحوث في الجامعة (وهو نواة لمركز دراسات وبحوث متخصص في مجال سياسات التعليم العالي تعتزم الجامعة إحداثه بالتعاون مع جامعة كاسل الألمانية) استندت إلى بيانات عدد من كليات الجامعة التي يقبل بها حملة الشهادات المهنية وخريجو المعاهد المتوسطة لخمس دفعات دراسية متتالية.

وأظهرت الدراسة نتائج مثيرة جداً للاهتمام، فقد تبين أن حملة الشهادات الثانوية يعانون مشاكل حقيقية في التكيف مع الحياة الجامعية، وأن الأغلبية العظمى منهم لا يستفيدون من الفرصة التي أتاحها لهم قانون تنظيم الجامعات وفق آلية القبول الحالية. فعلى سبيل المثال تبين أن أغلبية المقبولين في كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية من حملة الشهادات الثانوية المهنية قد فصلوا من الكلية بعد أن استنفدوا جميع فرص التسجيل المتاحة لهم، ولم تتعد نسبة الخريجين الثلاثين بالمئة من مجموع المقبولين وفق هذه الآلية، بزمن مكوث يقدر وسطيا بثماني سنوات.

وفي كلية الاقتصاد التي يقبل فيها حملة الشهادات الثانوية المهنية التجارية، وعلى الرغم من أن أداء الطلاب كان جيداً من حيث نسبة الخريجين التي بلغت 76%، غير أن الزمن الوسطي لمكوث الخريج في الكلية الذي بلغ 7.2 سنة، أي ما يقارب ضعف المدة الدنيا للدراسة في كلية الاقتصاد، لا يعد جيداً على الإطلاق.

أما بالنسبة لكلية الزراعة التي يقبل فيها عدد من حملة الشهادة الثانوية الفنية الزراعية، فقد أظهرت الدراسة أن نسبة الخريجين من إجمالي المقبولين في الكلية بلغت 61% وهي أفضل بكثير من مثيلتها في كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية، غير أن الزمن الوسطي لمكوث الخريج في الكلية وهو 8 سنوات غير مرضٍ أيضاً.

لكن الدراسة أظهرت صورة مختلفة تماما بالنسبة لخريجي المعاهد المتوسطة الذين يقبلون في السنة الثانية من الكليات ذات الاختصاص نفسه، وأفضل بكثير من مثيلتها في حالة حملة الشهادة الثانوية الفنية والمهنية. فقد بلغت نسبة الخريجين من إجمالي الطلاب المقبولين في السنة الثانية من كلية الطب من خريجي المعاهد المتوسطة 92%، وفي كلية طب الأسنان بلغت نسبة الخريجين 100% وهي أعلى نسبة بين كل الكليات الباقية، وفي كلية الهندسة المدنية 75.6%، وفي كلية الزراعة 93%، وفي كلية الاقتصاد 40.6%. وقد شذت عن هذه الصورة كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية، التي أظهرت البيانات أن المسجلين فيها وفق هذه الآلية إما فصلوا منها، وإما مازالوا مسجلين حتى الآن رغم مرور عشر سنوات على قبول بعضهم.

لذا لا بد من معالجة أسباب الفجوة الكبيرة الكائنة بين التعليم الثانوي المهني والتعليم الجامعي وأهمها المعدلات المتدنية التي يقبل على أساسها الطلاب الحاصلون على شهادة التعليم الأساسي في الثانويات المهنية، ومستوى التأهيل في هذه الثانويات من حيث المناهج، والكادر التدريسي والبنى التحتية المتوافرة كالمخابر والورش، وكذلك عدم التوافق بين مناهج الثانويات المهنية والمناهج الجامعية. فالاستمرار في قبول حملة هذه الشهادات وفق الآلية المتبعة حالياً فيه الكثير من إضاعة الجهد والمال والوقت، وقد يكون من الأنسب قبول حملة هذه الشهادات في المعاهد المتوسطة التقانية التي تتوافق مناهجها بشكل أفضل مع مناهج الثانويات المهنية، أو بإخضاعهم إلى سنة تحضيرية إضافية تهيئهم وتعدهم بشكل أفضل لدخول الجامعة في حال نجاحهم بها.

أما بالنسبة لخريجي المعاهد المتوسطة الذين يقبلون في السنة الثانية في الكليات من الاختصاص نفسه فلا بد من الاستمرار بهذه السياسة التي يتيحها قانون تنظيم الجامعات لأن أغلبية المقبولين وفق هذه الآلية قد أثبتوا تفوقهم في الجامعة أيضاً مع ضرورة تقصي أسباب شذوذ المقبولين في كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية عن باقي الكليات وربما يعود ذلك لعدم التوافق بين مناهج المعاهد التي يقبل خريجوها في هذه الكلية ومناهج الكلية، وعدم توفر البنى التحتية المناسبة من مخابر وورش في هذه المعاهد.

لقد وضعت جامعة دمشق هذه الدراسة ونتائجها تحت تصرف مجلس التعليم العالي والمجلس الأعلى للمعاهد المتوسطة وجميع الجهات الحكومية المعنية بالثانويات المهنية والمعاهد المتوسطة وذلك للاستفادة من النتائج التي توصلت إليها بغية تطوير هذه التجربة وتحسينها وصولاً إلى سياسة قبول جامعي أفضل.

 

شام نيوز- جريدة الوطن