خيري شلبي ... أمير الحكي

رحل خيري شلبي الرجل الذي حوّل حياته الملحمية إلى سبعين رواية ونيف ولو عاش لكتب أكثر فقد كانت القصص تتوالى عليه وتحاصره كأنها هكذا أكبر من كلامه وأكبر من فنه. كان خيري شلبي قادراً على أن يؤلف رواية تكلمه ولكل شيء تاريخه وحكايته. كتب خيري رواية القاع الاجتماعي في مجتمع عرض الهامش فيه وعمق القاع فيه بغير حدود.
كان في هذا يكمل تقليداً في القصص العربي بدأ بالمقامات ورسائل الجاحظ. كان خيري قريباً جداً من الهامش وقد سلخ جانباً من حياته لا يعرف فيه لنفسه مكاناً للبيات وبتحايل حتى يقضي ليله في مكان وقد حوَّل هذا البحث المضني إلى رواية بعنوان «موّال البيات والنوم».
قال خيري حياته بدون أنفة ورواها بدون استحياء، هي كما هي، بتشرّدها ونزواتها وخلطائها وعشرائها، لقد كسر الحدود بين الأدب والواقع، بين اللغة والحقيقة، وإذا كان هناك من ثورة في النص الروائي العربي فهي ثورة خيري شلبي.
إذا كان سلين أخرج الرواية من الأدب والتأدب ووضعها نصب الحياة، إذا كان أخرج اللغة من حنوطها الأدبي فإن خيري شلبي صنع هذا. إننا نقرأ فيه الحكاء أكثر مما نقرأ الأديب، ونجد في روايته لغة الشوارع والهوامش وهي لغة لا تتفصح ولا تتقعر.
وكتب خيري شلبي الرواية بسيولة وطراوة الحكي وبصوره وبلاغته وكنزه التراثي. كان بذلك، وربما من دون قصد، يضع في الرواية العربية صنيع سلين في الرواية الفرنسية، أي أنه يشكل من دون شك قاعدة عمارة جديدة في هذه الرواية. والأرجح ان الأيام المقبلة سترسخ موقع خيري شلبي في أدبنا وستتعلم منه الأجيال المقبلة وستنتقل الرواية العربية على يديه وأيدي نظرائه إلى نزف اللغة اليومي ودمها الصباحي وسريانها الشعبي.
عباس بيضون - السفير