سقف القمة

طالما أن شيئا لم يسقط من سقف القاعة ولم يتناثر الزجاج على المقاعد ولم يختبئ المسؤولون العرب تحت الطاولات، تكون قمة بغداد قد نجحت نجاحا باهرا، لا يقل عن نجاح مختلف القمم العربية التي انعقدت طوال السنوات العشر الماضية بعد لقائهم التاريخي في بيروت، الذي أدى الى إطلاق مبادرة السلام العربية وأفضى الى اغتيال الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات .
كان من الواضح أن المشاركين في الجلسة الافتتاحية المديدة للقمة لم يسمعوا دوي الانفجار الذي وقع على بعد كيلومترات قليلة من مكان اجتماعهم، واستهدف السفارة الإيرانية في بغداد. لكنهم بلا شك تلقوا مغزى اختيار ذلك الهدف بالتحديد، لحظة افتتاح القمة التي تنعقد في العاصمة العربية المتأثرة اكثر من سواها بالنفوذ الايراني المعلن.
ولعله كان الانفجار الوحيد الذي شهده العراق امس، والذي اريد منه ان يستغل انعقاد القمة العربية من اجل ان يعلن الاعتراض على ذلك النفوذ الآتي من الحدود الشرقية للعراق، وان يعبر عن موقف «عربي» لا لبس فيه، ولا يندرج على الأرجح في حملة تنظيم القاعدة الذي لم يعرف عنه التمييز بين الهوية القومية والإسلامية والمذهبية لأعدائه وخصومه...
كانت القمة نجاحا مبدئيا في وجه ذلك التنظيم الذي كان وسيبقى المقاوم الابرز والأخطر للعملية السياسية التي ارسيت في العراق، في اعقاب الاحتلال الاميركي وأسفرت عن تولي الغالبية الشيعية، والتفاهم مع الأقلية القومية الكردية، مهمة بناء الدولة والمؤسسات، ونيل الاعتراف الرسمي العربي بشرعيتها التي ترسخت في حفل الافتتاح الذي لم تشبه شائبة أمنية او سياسية، وأوحى بأن القمة العربية كانت تنعقد في القاهرة او الرياض او الجزائر...
لم يكن غياب تنظيم القاعدة او بتعبير ادق عدم قدرته على اختراق القمة هو المعيار الاهم للحكم على القمة. كان غياب ايران وتركيا أيضاً مقياسا مشابها ساعد في تحديد المسافة التي ود العرب الاحتفاظ بها عن البلدين على الاقل في العلن، عن العرب وعن المضيف العراقي الذي لم يخطر في باله ان يغامر في دعوة طهران وانقرة للمشاركة ولو بصفة مراقب على ما يسمح البرتوكول والتقليد.
اما الغياب السوري التام عن القمة، فقد جرى التعامل معه من مسلّمات الموقف الرسمي العربي الذي لا يحتمل الجدل، حتى من قبل اقرب الدول الى دمشق، وهم بالمناسبة أكثرية بين الزعماء العرب المشاركين، الذين سلموا بنقاش القضية السورية من زاوية المبادرات والوساطات، المبنية على تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية وتخفيض العلاقات الدولية معها، وبالتالي على التشكيك في شرعية نظامها... من دون ان يجرؤ احد من حلفاء سوريا على انتهاز الفرصة للبحث عن بدائل، خصوصا ان دمشق نفسها لم تفسح المجال لمثل هذا البحث عندما سبقت القمة بإعلان رفضها لكل ما يصدر عنها.
كانت قمة بغداد نجاحا لا يحسب إلا للبلد المضيف... الذي استطاع ان يضمن عدم انهيار السقف على ضيوفه.