ما مشاكل الأقباط؟... ضرورة التمييز بين المشاكل الدينية والمدنية

 

"هي إيه بالضبط مشاكل الأقباط؟"...

عادة ما يطُرح عليَّ هذا السؤال ويفرض نفسه عقب كل توتر ديني يحدث، إلا أنه عقب جريمة إسكندرية، وللحق، كان السؤال يطرح بمشاعر باحثة عن الحقيقة من أجل الصالح العام.

وبالرغم من أني لا أميل لأن تتحول الإجابة إلى ما أسميه «حديث المطالب» لفئة خاصة في وقت الأزمة وأننا من المؤمنين بأنه لا يمكن أن تحصل فئة على مطالب بمعزل عن باقي الفئات من جهة، وأن ذلك يعني ضمنا القبول بالتقسيم الديني لمصر وتكريس «الأقباط الملة» من جهة أخرى.

وعليه كان حرصي في الحديث عن مشاكل الأقباط أن يتم في إطار حوار وطني ينشغل به الجميع وأن يدار على الأرضية الوطنية الواسعة.

(١) البداية في هذا السياق، لدينا، أن نميز بين المشاكل ذات الطبيعة الدينية المحضة، والمشاكل ذات الطبيعة المدنية التي يتعرض لها الأقباط في حياتهم اليومية أو ما يعرف بلغة العلوم السياسية «المجال العام»، بسبب انتمائهم الديني، وللتمييز هنا معنى، لأنه يتسق مع منظور المواطنة الذي ننطلق منه، كون الفرد لديه انتماء ديني ووطني في آن واحد. وأن حركته وحقوقه الدينية تختلف عن حركته وحقوقه المدنية.. كيف؟

(٢) القبطى يتحرك في مجالين الأول هو: المجال الخاص Private Area وأقصد به «مجال حركة الإنسان ممارسا لإيمانه وشعائره» أي الكنيسة، وهو المجال الذي يتحرك فيه المتماثلون في المعتقد. والثاني، هو المجالين العام والسياسي Political & Public Area وأقصد به «مجال حركة الإنسان العامة في المجتمع من خلال المدرسة والجامعة والنقابة والنادي والجمعية والحزب...إلخ، حيث يلتقي المختلفون وتتشكل بينهم تكافلات بحسب المهنة والاتجاه والنشاط النوعي وليس بحسب الدين. ما الفرق إذا تعرض القبطي إلى تمييز في كل من المجالين؟

(٣) الفرق أنه إذا تعرض لمشاكل أثناء حركته في المجال الخاص أي مشاكل ذات طابع ديني فإن الكيان الديني عندئذ يكون مكلفا بحلها من الدولة والمعنيين، لأنها تقع في سياقه، أما المشاكل التي يتعرض لها الأقباط أثناء حركتهم في المجالين العام والسياسي فيجب أن تتم مواجهتها من خلال الآليات والقنوات المدنية والسياسية شأنهم شأن باقى المواطنين. فالتمييز الذى يتعرض له الأقباط يحدث لهم فى الأغلب، بالإضافة للعامل الدينى، بسبب أنهم فقراء أو مهمشون أى «مالهومش ضهر». لذا فمن المفيد أن يتحرك القبطى باحثا عن حقوقه متحالفا مع من تعرضوا لنفس التمييز من المسلمين بسبب الفقر أو غياب المكانة. وهو ما أشار له نجيب محفوظ فى السكرية وذكرناه عديدا:

«مشكلة الأقباط... هى مشكلة الشعب، إذا اضطهد اضطهدنا، وإذا تحرر تحررنا»

(٤) ويتسق هذا التصنيف مع حرصنا على أن نميز بين ثلاث طرق للتعامل مع الأقباط وذلك كما يلى: الأولى كونهم جماعة دينية/ طائفة /ملة Religious Group / Sect، والثانية: كونهم أقلية دينية لها مطالب سياسية Political/Minority Group فى مواجهة أغلبية سياسية، والثالثة: الأقباط المواطنون الذين لهم حق المواطنة الكاملة تتقاطع همومهم مع آخرين، خاصة فى المجالين العام والسياسى، وأهمية هذا التصنيف أنه يفرق بين الخلط الذى يحدث عند الحديث عن هموم/مشاكل الأقباط كما يعكس التحيزات والاختيارات.

أو بلغة أخرى فإن طريقة الحل التى سوف تتُبع سوف تعكس فى واقع الأمر كيف نرى الأقباط هل هم ملة أم أقلية دينية/ سياسية أم مواطنون.. على خلفية ما سبق نستعرض مشاكل الأقباط.

(٥) يمكن القول إن مشاكل الأقباط الدينية الطابع (قمنا برصدها مبكرا وطورنا فى رصدها بحسب التصنيف: الدينى المدنى، منذ دراستنا المبكرة: هموم الشباب القبطى بمجلة القاهرة ١٩٩٢، وكتابنا: الحماية والعقاب ٢٠٠٠، ودراستنا قضايا «المواطنين» غير المسلمين «الدينية» و«المدنية» فى المجتمعات ذات الغالبية المسلمة «الحالة المصرية نموذجا» المقدمة إلى مؤتمر «اتجاهات التجديد والإصلاح فى الفكر الإسلامى الحديث»، الذى نظمته مكتبة الإسكندرية فى ٢٠٠٨)، يمكن إيجازها فيما يلى: بناء الكنائس، التشكيك فى العقيدة، الحرية الدينية، الأوقاف، أما المشاكل مدنية الطابع فيمكن أن نرصدها كما يلى: المناخ الثقافى وما يشيعه من ثقافة مانعة ومتوترة، الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص وبخاصة لدى الشرائح الدنيا، إضفاء المقدس على المجال العام، تراوح الإسلام السياسى فى نظرته إلى الأقباط.