مسطرة على مسطرة
هاجر صديقي عبد الفتاح البريجاوي إلى جمهورية سيريلانكا، على اعتبار أن جدته سيريلانكية، وأن أباه لحق بأبيه،
وعبد الفتاح لحق بأصول العائلة.. بسبب عشقه للشاي السيريلانكي ليس إلا... واستمر عبد الفتاح يراسلني، مرة أو مرتين كل سنة.. ويكتب لي باللغة العربية، كي يظل، حسب زعمه، على صلة بلغة الأجداد، التي هي في المحصلة لغة أهل الجنّة!.. وأغلب رسائله كانت على شكل حكايات طريفة... وفي آخر حكاياته كتب لي حكاية تقول إن شاباً خطب فتاة.. وكان يتحتم على والد الفتاة أن يسأل عن الخطيب ليطمئن قلبه على مستقبل ابنته وأي مكان أفضل للسؤال من حارة الشاب؟.. وهكذا توجه الوالد نحو بقّال كهل من جيران الخطيب.. وقال له: الشاب سورو سيراني جاء خاطباً لابنتي، فهل تعرفه؟..
أجاب البقّال: أنا الذي أعرفه، فهو يسكن في البناية المواجهة لبقاليتي.. إنه شاب ممتاز، وخلوق، وغاية في اللطف.. لقد وقعْتَ يا سيدي على جوهرة حقيقيّة..
وسكت الكهل قليلاً، ثم استدرك قائلاً: إنه جوهرة.. لولا أن لديه (عادة) صغيرة هي أكله لكميات كبيرة من الفواكه!..
أجاب والد الخطيبة: صحتين وعافية.. الفواكه تقوّي عضلات القلب، وتطيل الحياة..
تابع البقال: إنه شاب رائع.. لكنك لم تسألني لماذا يأكل الفتى كميات كبيرة من الفواكه؟... وإن سألتني، سأجيبك: لأنه يأكل كميات كبيرة من اللحم!... فهتف أبو الخطيبة: عَظَمَه على عَظَمَهْ.. أكل اللحم يستدعي أكل الفواكه.. وهذا لا يُعيبه..
قال البقّال، بعد (صفنة) طويلة: لكنك لم تسألني لماذا يأكل كميات كبيرة من اللحم؟.. وللحقيقة والتاريخ، هو يفرط في أكل اللحم، لأنه يدخن كثيراً!..
قال والد العروس: يا سيدي.. هذه آفة الشباب.. وعسى مرسوم منع التدخين سيردعه... وردَّ البقّال: لكنك يا صاحبي لم تسألني لماذا هو يفرط في التدخين!... الحقيقة إنه يفرط في التدخين، حين يشرب الخمرة!... وقال الأب: هذه أيضاً من نزوات الشباب!... وهزّ البقال رأسه، وقال: إنه يشرب كل يوم.. وأرجوك، لا تسألني لماذا يشرب كل يوم؟.. قال الرجل: لا بد من سؤالك لماذا يشرب كل يوم، ويضيع نقوده على ما لا ينفع؟..
رفع البقّال يديه، كأنه يطلب إعفاءه من الجواب.. وكرر: إنه شاب ممتاز.. عريس لقطة.. توكَّل على الله، واقبل به صهراً، فمحظوظ من يجد عريساً لابنته في هذه الأيام العسيرة...
ألحّ الرجل: لكنك لم تقل لي لماذا يشرب كل يوم؟!... وتلكأ البقال في الجواب.. ثم قال: الحقيقة.. إنه لا يشرب الخمر إلا حين يلعب القمار.. لكنه يشرب كل يوم.. كل يوم..
والآن، عزيزي القارئ.. يمكنك حمل هذه القصة، كما تُحمل المسطرة.. ومن ثمّ قياس بعض الحكايات على بعض الأمور!.. ولكني أرجوك، لا تفكر أني أغمز، وألمز من قناة أي حكومي... أنا مجرد راوي حكايات، تردني من سيريلانكا .. ولكل حكاية مسطرة... وكل مسطرة وأنتم بخير..