موت السياسة

للسياسة، بمعناها الأعلى الأعم، مفردة موازية شعبية تختصر الكثير من مدلولات المصطلح ومعاني العلم، وهي مفردة "المسايسة".
خذه بـ "المسايسة"، تعني نصائح بالتفهّم والتفاهم والاحتواء والاستيعاب والتهدئة.. إلى أن تستطيع الخروج بمن هو أمامك من حالة الاحتقان الخطرة إلى حالة الانفراج المأمولة.
أما الآن، فحيثما ولّينا وجوهنا يصدعنا صخب سياسي دون "مسايسة"، فهناك الكثير من اللقاءات والأحاديث السياسية، لكنّ الغائب الأكبر عنها هو منطق السياسة، مع أنها تصدر من ساسة مخضرمين، ما يفترِض أنّ هناك مصالح أخرى خفية أخطر وأعظم دهاء من تلك المتعارف عليها في الفعل السياسي.
قبل أيام من انعقاد ما سمّي "مؤتمر أصدقاء سورية"، صرّح السيد نبيل العربي أنّ تغيّراتٍ بدأت تطرأ على موقف كلّ من الصين وروسيا في اتجاه مجاراة التحالف الدولي ضد سورية.
هل يمكن إسباغ صفة اللياقة على تصريح العربي (وإن كان صحيحاً) أم أنه تقصّد إحراج الدولتين وربط التسريبات عن حضورهما المؤتمر بتغيّر في مواقفهما، بما يوحي بأنّ التصريح يهدف إلى استبعاد هذا الحضور؟
قبل هذا المؤتمر، كان هناك سيناريو مشابه من حيث النتيجة في مجلس الأمن، عندما أصرّ مهندسو الجلسة على انعقادها، رغم الطلب الروسي بتأجيلها يومين أو ثلاثة؛ أي كان معلوماً أنّ القرار سيُواجَه بفيتو مزدوج روسي – صيني، بما يوحي بأنهم أرادوا هذا الفيتو.
مواقف سياسيّة لكنّها دون سياسة، لا تترك منفداً ولا مجالاً لمناورة، أو حوار، وكأنّ الغرب يتعمّد إقصاء روسيا عن الترتيبات الدولية تجاه سورية.
كأنّ سورية بالنسبة إليهم حجر سيضربون به أكثر من طير دولي أو إقليمي؛ حجرٌ، وإن أدّى رميه على أهداف صلبة إلى تشظّيه وتفتيته.
أن تتخلّى السياسة عن جوهرها، يعني أنّها سلاح بقفازات بيضاء؛ قفازات ستُرمى ويُصبح السلاح أبيض.