نقاط.. وقاضية


ديانا جبور . بلدنا

في زحمة الاجتماعات والتصريحات والاستجوابات والتوقعات التي تخص سورية، بدءاً من جلسة الاستماع في الكونغرس لوزير الدفاع الأمريكي تجاه الأوضاع لدينا، لا سيما لجهة التدخّل العسكري، إلى مؤتمر باريس، وآخر في بلجيكا، وصولاً إلى تحليلات تركية منشورة تكشف محوريّة المسألة السورية في الشأن الداخلي التركي (حتى إن كاتباً من حزب العدالة رأى أنّ هدف محاكمة الانقلابيين العسكريين كامن في سورية، بمعنى تحويل الأنظار عنها إلى شأن داخلي تركي للإلهاء)..

وبين كلّ ما أمطرتنا به وسائل الإعلام ودوائر القرار، أجد أنّ علينا الالتفات بشكل خاص إلى تصريح وزير الخارجية الروسي قبل يومين، وفيه يأمل، بصيغة الطلب من مجلس الأمن، الإسراع في إصدار القرار الثاني بشأن وفد المراقبين الدوليين.
لوصول هؤلاء المراقبين أهمية قصوى تدلّ على أنّ الحلبة لم تعد للمتصارعين فقط، بل صار الجمهور والمنظمون والمراهنون جزءاً منها، بما يذكر بقوانين وقواعد علنيّة أو سريّة لرياضة الملاكمة، التي كان يطلق عليها "رياضة الملوك"، فكم من المفيد أن نستذكر بعضاً من أصولها، ولو أن اللعبة لم تعد رياضية ولا نبيلة.
هل يتذكر أحد مباراة ملاكمة فاز فيها أحد الخصمين بالضربة القاضية من الجولة، أو الجولات، الأولى المبكرة؟
من غير المسموح لأحد المتلاكمين أن يعلن النهاية السريعة، ولو كانت ممكنة، لأنّ الجمهور، الذي دفع المال ليمضي أمسيته بعرض مشوّق، ترتفع وتيرة تشويقه كلما زاد إنهاك لاعبيه وجروحهم، فلا يقبل أن يعود أدراجه بعد وقت قصير، وإن انعقد الفوز لمن يؤيّده، لذلك فقد مطّ عدد الجولات من أربع، كما كان العرف منذ أن عرفت اللعبة لدى البابليين العام 1750 قبل الميلاد، إلى ثلاث عشرة أوخمس عشرة بعد الحرب العالمية الثانية، بتوافق بريطاني أمريكي، ولدواعٍ تسويقية وتجارية؟


في حلبات الملاكمة، كما ساحات الصراع، ترتفع الأثمان والتعويضات والمراهنات كلّما تفاقمت الأضرار، لأنّها بلغة الأرقام والتعهدات تعني مشاريع أكثر للإعمار والترميم، لكنّ فداحة الأضرار مرتبطة بتقارب الأوزان وتعادل القوى، فإن لم تتوافر هذه الشروط فهناك الهدنات، أو الاستراحة بين الجولات لالتقاط الأنفاس.


معلوم أنّ حلبة الملاكمة مسوّرة بحبال تقي الجمهور والمضاربين والمنظمين من اندفاعات اللاعبين، وتعيق، في الآن نفسه، الجمهور من الاعتداء والتدخل المباشرين في مجريات العرض. أما إن دخل أحدهما على الثاني، فهذا يعني إعلاناً وشيكاً ومؤكداً بإيقاف المباراة، لكن أحياناً يكون ذلك نذيراً بتغيير دراماتيكي لقوانينها ومحصلاتها؛ لأن من شروط اللعبة تسجيل أكبر عدد من الضربات في الأماكن القانونية، وهكذا في ميادين الصراع الفعلية؛ إن تشظّت بعض الأدوات ووصلت مفاعيلها إلى الجمهور وراء الحبال "الجبال"، كان هناك احتمال أن يتدخّل المنظّمون، أو يقفز الجمهور من منصات الفرجة إلى الفعل، وتعمّ الفوضى وتتغير قواعد لعبة توافقَ منظّموها على حجم القوة المبذولة، وكذا الأضرار الناجمة عنها.
ها قد أصدر مجلس الأمن موافقته على قرار المراقبين، فهل نأمل أن نعود باللعبة إلى جولاتها الأربع القديمة أم نخضع لصيغتها المعولمة بجولاتها الثلاث عشرة وربما الخمس عشرة.