هل تخون الشعوب؟

د. نبيل السمان - بلدنا
هناك مجال لتتعلَّم خيانة مبادئك في هذا الوطن.
فكلُّ خطوة تنتهي بخيانة نفسك من حيث لا تدري، تحت أعذار وفتاوى ومسميات شتّى، تخلقها الأنظمة الحاكمة «عش ودع غيرك يعش»، وهل يعود لقدرة الشعوب العربية في التأقلم مع الفساد والظلم؟.
الجميع يخضع إلى امتحانات من نوع ما، إلا حكامنا العرب؛ فوسائل الإعلام تطلُّ علينا صباحاً بإنجازاتهم.. ولكن، لمَ لا يتقدَّمون إلى امتحان العلوم السياسية في جامعة ما؟.. هل يمكن أن يتجرَّأ أحد بأن يطالب حاكماً عربياً بأن يخوض الامتحان، وإن فشل في الامتحان أن يتنحّى كما تسقط الحكومات في الدول الصناعية المتمدنة؟
إنَّ كثيراً من الحكام لا يعتبرون شعوبهم متطوّرة بما فيه الكفاية لترتقي في سلّم الحضارة نحو الديمقراطية؛ فهم ليسوا مواطنين، وأقلّ من رعية، يفكرون عنهم ويقرّرون لهم، ويفاوضون عنهم، وبعضهم يستسلم عنهم؛ فهم لا يفشلون في السياسة على أرض الواقع، فلديهم الحلول.. وإن لم توجد، يصدرون مراسيم فيها؛ فليس للفشل مكان.
إن احتُلَّت بلادهم، فهي معركة لا تحسم مصير الحرب، ما داموا في مناصبهم، وإن تخلَّف الاقتصاد فبسبب قلة الاستثمارات الأجنبية، وإن ضاقت السبل فالاقتراض متاح -وهو أهون السبل- فديون بلادهم لن تدفعها جيوبهم، وإن تحسَّن الاقتصاد يبيعون كنوز بلادهم دون عناء؛ فالشركات الأجنبية تخطط وتنفذ، دون أن يشفع للراحل القذافي تدمير أسلحته كخطوة لتأهيل نظامه ليعود إلى أحضان العالم الغربي.
هل تخون الشعوب العربية نفسها بقبولها الذلّ والمهانة من حكامها؟.. وهنا لابدَّ من التساؤل لتبديد القلق الذي يعتصر الشعوب العربية؛ ليس على مستقبلها بل حاضرها، بعد عقود من الطغيان والفساد والهزائم المتكررة..
بعد أن طغى التشاؤم على مستقبلها، لا يمكن أن يخالف الشعب العربي مسيرة التاريخ، وبالتالي فالشعوب لا تخون نفسها.
إنَّ القيادات، التي تريد لشعوبها الاستكانة للظلم والفقر، هي التي تخون شعوبها، أو تدفعها للخيانة؛ بالنكوص الشعبي عن تحقيق العدالة الاجتماعية أو تحرير البلاد من الاحتلال، في ظلِّ صمت معيب.
فالنظام العربي قد خان نفسه قبل شعبه؛ عندما أخفق في حلّ مشكلاته الاقتصادية، بل ابتدع مشكلات بين دوله، جرّ شعوبها إليها، وأصبح استمرار النظام القائم الشغل الشاغل للقيادات بجميع الوسائل.
لقد استعمل النظام العربي الزجاج الداكن لإخفاء الكثير من حقائقه، ولكن ساكنيه يدركون الآن، أكثر من أيّ وقت مضى، أنَّ رميه بحجر خارجي سيقوّضه بطرفة عين، بعد أن بهت لونه، وانكشفت جذور فساده؛ فهو آيل إلى السقوط، ولم يبقَ لديه للبقاء سوى باب سدِّ الذرائع، فمازال ثالوث الانهيار (الفساد السياسي، وسوء توزيع الثروة، والطغيان) يهيمن على العروبة.
النظام العربي هشٌّ ولا يحميه التأجيل والمراوغة وعدم القدرة على اتخاذ أيّ قرار ذي فعالية؛ فالشارع العربي ملَّ الوعود. فعندما يستنفد شعارٌ فعاليته يحلُّ محلّه آخر، حتى بات المواطن لا يثق بما يسمع؛ فالنظام العربي له صوت ولكن ليس له آذان.