هل هذا هو سعر صرف الإنسان العربي؟

يُخشى أن نعلّم أطفالنا الحساب فى السنوات اللاحقة على الشكل التالى: إذا كان خطف شاليط يعيد إلينا ١١٠٠ أسير فكم شاليط ينبغى خطفه كى نحرّر فلسطين؟»، هذه الملاحظة دوّنها الكاتب اللبنانى حازم الصاغية فى صفحته على الـ«فيس بوك»، وتعكس بعض المعضلات التى فرضتها الصفقة الأخيرة بين حماس إسرائيل.

ويتضح حجم عدم التوازن أكثر عند ملاحظة أن الأسير الإسرائيلى مجرد مجند عادى بينما تضمنت قائمة العرب المفرج عنهم بعض الشخصيات المهمة مثل يحيى سنوار (المؤسس للجهاز الأمنى لحماس فى غزة) وحسام بدران (الرئيس السابق لجناح حماس العسكرى فى الضفة الغربية).

وإذا قبلنا بسعر الصرف هذا، أى ألف لواحد، فى صفقات الأسرى ورحبنا به كانتصار، أليس هذا هو المنطق نفسه الذى يجعل من الحروب «الإسرائيلية - الفلسطينية»، أو «الإسرائيلية - اللبنانية» انتصارات عربية تاريخية، رغم أن نسبة الضحايا هى نفسها؟ ويجعل من أمثال السيد حسن نصرالله وخالد مشعل أبطالاً رغم أن النهج الذى يتبعونه يعادل قيمة الإنسان العربى ١/١٠٠٠ من قيمة مثيله الإسرائيلى؟

 

ثم رغم أن عدم توازن الصفقة قد لقى معارضة فى بعض القطاعات فى إسرائيل إلا أن «نتنياهو» ربما كان موفقاً- من وجهه نظره السياسية- فى قبولها. أولاً ليشير للعالم كله إلى «سماحة وكرم» إسرائيل واحترامها أفراد شعبها، ولاسيما المجندون منهم، وثانياً لأنه بذلك يعمل على تقوية حركة حماس الرافضة للتسوية السلمية، وفى الوقت نفسه يعمل على إضعاف «أبومازن».

 

هذه أعراض لظاهرة قديمة، وهى التحالف الضمنى بين الرافضين للتسوية السلمية فى الجانبين. فاليمين الإسرائيلى، الذى قام بإذلال «أبومازن» على مدى سنين، يكافئ حماس بإطلاق سراح ما يزيد على ألف سجين فلسطينى- وليس كلهم «حماسيين»- فى مقابل إحراج حركة فتح.

هذا هو نفس «نتنياهو» الذى رفض أى وقف للاستيطان مقابل المضى قدماً فى طريق التسوية السلمية. وهذا هو النتنياهو نفسه الذى يفعل ذلك فى الوقت الذى يسعى فيه «أبومازن» لجلب تأييد العالم للاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة، وربما هذه أحسن وسيلة فى وجهة نظر نتنياهو لإسقاط «أبومازن» ومشروع اكتساب الشرعية للدولة الفسلطينية.

 

ورغم أن هذه الحقائق لم تعد خفية بالنسبة للكثير من المعلقين فى الغرب، بل عبرت عنها جريدة الـ«نيويورك تايمز» فى افتتاحية قوية، فإن الكثير من الفلسطينيين لم يستوعبوها بعد، وذلك ينطبق للأسف على بعض المقربين لحركة فتح نفسها. خذ مثلاً تصريحات وفاء البس، السجينة التى تم الإفراج عنها فى الصفقة الأخيرة، وكانت تهمتها أنها دخلت إسرائيل بحجة دخول مستشفى فى بئر سبع.. ولكنها كانت محملة بالمتفجرات التى لم تنفجر، لأن «أداة التفجير لم تعمل»، كما قالت بائسةً لوكالة رويترز.

ماذا فعلت «وفاء» بعد إطلاق سراحها مباشرة؟ قالت وفاء البس لعشرات التلاميذ الذين جاءوا إلى منزلها فى شمال قطاع غزة: «إن شاء الله تمشون نفس النهج الذى سلكناه وإن شاء الله بنشوف منكم استشهاديين»، فأكدت نهج الألف إلى واحد الفاشل.. أليس هناك طريق أكثر فاعلية؟

 

إن النكبة الأصلية فى فلسطين كان سببها الأساسى عام ١٩٤٨ أن العرب استهانوا بقوة الحركة الصهيونية فى فلسطين، ليس فقط من الناحية العسكرية والتنظيمية، إنما أيضاً من الناحية الثقافية والعلمية. فقبل إنشاء الدولة بعقود اهتمت الحركة الصهيونية، ربما أساساً، بالعلم والثقافة، فساعدت على إنشاء مؤسسة «بازل» للفنون عام ١٩٠٦، والتى تخرج ودرس فيها الكثير من الفنانين العالميين. ثم فى عام ١٩١٢ تم وضع حجر الأساس لمؤسسة «التخنيون» للتكنولوجيا، التى حصل أربعة أساتذة فيها على جوائز نوبل فى مجال الكيمياء والطب خلال السنوات العشر الأخيرة. وكان ألبرت أينشتاين من ضمن مؤسسى «التخنيون»، كما كان أيضا من مؤسسى الجامعة العبرية، ومعه باقة لامعة من العظماء المفكرين مثل فرويد مارتن بوبر.

 

وبناء هذه المؤسسات الصهيونية حدث تحت ظروف صعبة، تحت السيطرة الإمبراطورية العثمانية الإسلامية على فلسطين، ثم تحت الانتداب البريطانى الذى حدد عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين، فرغم انحياز ذلك الاستعمار أحياناً لليهود فلا شك أنه كان يعوق حركة الاستيطان.

 

هذه القاعدة الثقافية والتعليمية العلمية الصهيونية استمرت فى ظل كارثة إبادة اليهود الأوروبيين. وعندما جاء الوقت لبناء الدولة كانت هذه القاعدة، بالإضافة لأسس تنظيمية سياسية وعسكرية هائلة - جاهزة لتولى بناء الدولة رسمياً.. هل يا ترى سيكون من الممكن أن يتعلم الفلسطينيون، والعرب عامة، هذا الدرس؟

د. عمرو الزنط - المصري اليوم