ورد ... ونار

عصام داري - الوطن
قطعة مسروقة من الجنة: أشجار باسقة وارفة الظلال، ورود وأزاهير تزنر المكان وكأنها تعشيق بالألوان والزخارف، تزينها أزاهير وشجيرات الوردة الدمشقية بعطرها الفواح، ويتمايل الجوري القاني يحاكي حمرة خدود مراهقة دمشقية غافلت حراسها إلى الحبيب في ساعة الغروب.

وكي تكتمل اللوحة.. تشاهد العرائش تتعربش على الأعمدة الصغيرة للاقتراب من أشجار السرو وكأنها تواقة إلى بلوغ ذراها لتطل من عل على هذه الجنة الصغيرة.

هذه الجنة الصغيرة، أو «الجنينة» كانت الإخبارية السورية.. في هذا الفردوس البديع لم تكن تسمع إلا زقزقة العصافير، وطنين النحل وهو يرتشف رحيق الأزاهير.. و.. صوت فيروز الملائكي وهو يصدح من شعر الكبير سعيد عقل الذي يبلغ غداً مئة عام:

قرأت مجدك في قلبي وفي الكتب
شآم ما المجد.. أنت المجد لم يغب
و«شآم يا ذا السيف».. و«مشوار جينا ع الدني مشوار»..ويا له من مشوار، الحياة مشوار قصير مهما طال!

إنها جنتنا الصغيرة.. هناك.. في ريفنا الرائع.. في قرية دروشا.. حيث كانت مجموعة محدودة العدد والعدة، وبإمكانيات جد متواضعة، تعمل ليل نهار كي يصل صوت الحق والحب والعدالة والحقيقة إلى العالم.

مجموعة صغيرة من «الشيّاب» والشباب كانت «تسافر من أماكن سكنها المتفرقة في دمشق وريفها كذلك.. تقطع عشرات الكيلو مترات دون كلمة تذمر.. فقط من أجل ملاحقة الحدث.. وتغطية الخبر بالصوت الأعلى والصورة الأوضح لتفنيد الأكاذيب وإعلاء كلمة الحق: كلمة سورية.

و.. صبيحة الأربعاء الماضي كانت جنتنا الصغيرة على موعد مع الموت والنار والدماء.. لن أروي ما شاهدته في ذلك الفجر الأسود.. سأحكي فقط قصة الأزاهير التي تحولت في أحواضها إلى كتل متفحمة.. والى جانبها جثامين لرجال هم كل الرجال، مقيدي الأيدي والأرجل وقد زرع القتلة في صدورهم العارية ورؤوسهم الشامخة رصاصات الغدر والحقد الأسود.

اقتربت أكثر.. رأيت زهيرات صغيرات حملتها شقيقاتها الكبيرات وردت عنها الموت بأغصانها وتلقت النار بوريقاتها الملونة.. وهنا.. كأنني سمعت صوت الزهيرات الناجيات يقول:

- أرأيت ما فعل الحقد والغدر بشقيقاتي وأشقائك.
- نعم.. رأيت ذلك الفجر الحزين.. وغافلتني دمعة من عيني وهربت إلى بحيرة الدم حيث غرق الشهداء فيها.. لكنني لم أشعر باليأس لحظة واحدة.. لأنني في تلك الثانية والنيران تلتهم أزاهيرنا.. أزاهيري رفيقاتي.. سمعت صدى فيروز منبعثاً من مكان ما:
-«في أمل.. إيه.. في أمل».
الأمل فينا نحن أبناء سورية.. أصحاب حضارات عمرها من عمر التاريخ.. ومن يحمل على أكتافه حضارة عمرها عشرة آلاف عام لا خوف عليه من غدر تجار النفط والدم والحروب، مهما اختلفت هويتهم.

صباح دامٍ كان صباح الأربعاء الماضي.. وكنت شاهد عيان.. في ذلك الصباح ودّعت سامي وزيد ومحمد، شهداء الإخبارية لكن فنجان قهوة سامي لن يفارقني.. وطعم عسل زيد من سفوح جبل الشيخ سيظل على لساني.. وأقول لمحمد: النور جيد.. بل إنه ساطع.. لأنه نور سورية الذي يهدينا إلى الغد.. فوداعاً يا أصدقائي وأنا خجل أمام عظمة شهادتكم فاعذروني فإن «دمعتي أكبر من مساحة الأجفان».